ابن قتيبة الدينوري

90

تأويل مشكل القرآن

كميش الإزار خارج نصف ساقه * صبور على الجلّاء طلّاع أنجد وقال الهذليّ « 1 » : وكنت إذا جاري دعا لمضوفة * أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري ومنه قول اللّه عزّ وجل : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [ النساء : 49 ] وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [ النساء : 124 ] والفتيل : ما يكون في شقّ النّواة . والنّقير : النّقرة في ظهرها . ولم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه ، وإنما أراد أنهم إذا حوسبوا لم يظلموا في الحساب شيئا ولا مقدار هذين التّافهين الحقيرين . والعرب تقول : ما رزأته زبالا . ( والزبال ) ما تحمله النّملة بفمها ، يريدون ما رزأته شيئا . وقال النابغة الذّبياني « 2 » : يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو * ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا وكذلك قوله عزّ وجل : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [ فاطر : 13 ] وهو ( الفوقة ) التي فيها النّواة . يريد ما يملكون شيئا . ومنه قوله عزّ وجل : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 23 ] أي قصدنا لأعمالهم وعمدنا لها . والأصل أنّ من أراد القدوم إلى موضع عمد له وقصده . والهباء المنثور : ما رأيته في شعاع الشمس الداخل من كوّة البيت . والهباء المنبثّ : ما سطع من سنابك الخيل . وإنما أراد أنّا أبطلناه كما أنّ هذا مبطل لا يلمس ولا ينتفع به . ومنه قوله : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [ إبراهيم : 43 ] يريد أنها لا تعي خيرا ، لأن المكان إذا

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لأبي جندب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1 / 358 ، وشرح شواهد الشافية ص 383 ، ولسان العرب ( جور ) ، ( ضيق ) ، ( نصف ) ، ( كون ) ، والمعاني الكبير ص 700 ، 1119 ، وبلا نسبة في شرح المفصل 10 / 81 ، والمحتسب 1 / 214 ، والممتع في التصريف 2 / 470 ، والمنصف 1 / 301 . ( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو لعبد قيس بن خفاف في الحيوان 4 / 379 ، والأغاني 11 / 16 ، وللنابغة الذبياني في ديوانه ص 135 ( طبعة دار الكتاب العربي ) ، والشعر والشعراء ص 171 ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 4 / 472 ، والمخصص 13 / 254 .